الغزالي
19
إحياء علوم الدين
الورد الثالث : من ضحوة النهار إلى الزوال ، ونعني بالضحوة المنتصف وما قبله بقليل ، وإن كان بعد كل ثلاث ساعات أمر بصلاة فإذا انقضى ثلاث ساعات بعد الطلوع فعندها ، وقبل مضيها صلاة الضحى فإذا مضت ثلاث ساعات أخرى فالظهر ، فإذا مضت ثلاث ساعات أخرى فالعصر ، فإذا مضت ثلاث أخرى فالمغرب ، ومنزلة الضحى بين الزوال والطلوع كمنزلة العصر بين الزوال والغروب ، الا أن الضحى لم تفرض لأنه وقت انكباب الناس على أشغالهم فخفف عنهم الوظيفة الرابعة : في هذا الوقت الأقسام الأربعة وزيد أمران أحدهما : الاشتغال بالكسب وتدبير المعيشة وحضور السوق ، فإن كان تاجرا فينبغي أن يتجر بصدق وأمانة ، وان كان صاحب صناعة فبنصح وشفقة ، ولا ينسبي ذكر الله تعالى في جميع أشغاله ويقتصر من الكسب على قدر حاجته ليومه مهما قدر على أن يكتسب في كل يوم لقوته ، فإذا حصّل كفاية يومه فليرجع إلى بيت ربه وليتزود لآخرته ، فان الحاجة إلى زاد الآخرة أشد ، والتمتع به أدوم ، فاشتغاله بكسبه أهم من طلب الزيادة على حاجة الوقت ، فقد قيل : لا يوجد المؤمن إلا في ثلاث مواطن ، مسجد يعمره ، أو بيت يستره ، أو حاجة لا بدله منها ، وقل من يعرف القدر فيما لا بد منه ، بل أكثر الناس يقدرون فيما عنه بد انه لا بد لهم منه ، وذلك لأن الشيطان يعدهم الفقر ويأمرهم بالفحشاء ، فيصغون إليه ، ويجمعون ما لا يأكلون ، خيفة الفقر ، والله يعدهم مغفرة منه وفضلا ، فيعرضون عنه ولا يرغبون فيه الأمر الثاني : القيلولة وهي سنة يستعان بها على قيام الليل ، كما أن التسحر سنة يستعان به على صيام النهار ، فإن كان لا يقوم بالليل لكن لو لم يتم لم يشتغل بخير وربما خالط أهل الغفلة وتحدث معهم فالنوم أحب له ، إذا كان لا ينبعث نشاطه للرجوع إلى الأذكار والوظائف المذكورة ، إذ في النوم الصمت والسلامة ، وقد قال بعضهم : يأتي على الناس زمان الصمت والنوم فيه أفضل أعمالهم ، وكم من عابد أحسن أحواله النوم ، وذلك إذا كان يرائي بعبادته ولا يخلص فيها ، فكيف بالغافل الفاسق ؟ قال سفيان الثوري رحمه الله : كان يعجبهم إذا تفرغوا أن يناموا طلبا للسلامة ، فإذا كان نومه على قصد طلب السلامة ونية قيام الليل كان نومه قربة ، ولكن ينبغي أن يتنبه قبل الزوال بقدر الاستعداد للصلاة بالوضوء